الشيخ محمد رشيد رضا
75
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
مات قبل القطع بتحريم الخمر وحكم من نزلت الآية في عهدهم وتليت عليهم وحكم غيرهم من عصرهم إلى آخر الزمان . وهذا أبلغ وأعم فائدة من بيان حكم المسؤول عنهم خاصة . و ( ثانيا ) ان قول المشتبهين : لو كان المراد من الآية بيان حكم الذين ماتوا لقال « ما كان جناح على الذين طعموا » - باطل ، وقوله تعالى ( وما كان ليضيع إيمانكم ) الذي احتجوا به لا يدل على ما زعموا ؛ فان مثل هذا التركيب يدل على نفي الشأن لا على نفي حديث مضى ، فمعناه : ما كان من شأنه تعالى ولا من مقتضى سنته وحكمته أن يضيع إيمانكم . وقد بينا هذا من قبل غير مرة ونقلناه عن الكشاف ، فهو يعم الماضي والمستقبل ، ومثله ( ما كانَ لَنا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ ) ويشبه العبارة التي قالوها قوله تعالى ( ما كانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ ) ولم يقل أحد انها لنفي الحرج في الزمن الماضي ، بل تعم نفيه في الحال والاستقبال وهو موضع الفائدة له ( ص ) منها . و ( ثالثا ) لو كان معنى الآية ما ذكروه لأخذ به من شق عليهم تحريم الخمر من الصحابة ومن كان يميل إليها بعدهم نعم انه لولا ما ورد من سبب نزول الآية لكان المتبادر من معناها انه ليس على المؤمنين الصالحين تضييق وإعناث فيما أكلوا [ وان شئت قلت أو شربوا ] من اللذائذ - كما توهم الذين كانوا حرموا على أنفسهم طيبات ما أحل اللّه لهم مبالغة في النسك - إذا كانوا معتصمين بعرى التقوى في جميع الأوقات والأحوال ، راسخين في الايمان متحلين بصالح الاعمال محسنين فيها ، لان اللّه تعالى لم يحرم عليهم شيئا من الطيبات ، وانما حرم عليهم الخبائث ، كالميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير اللّه والخمر والميسر . واكل أموال الناس بالباطل ، وانما الجناح والحرج في الطعام والشراب على الكافرين والفاسقين ، الذين يسرفون فيهما ، ويجعلونهما أكبر همهم من حياتهم الدنيا ، ولا يجتنبون الخبيث منهما . فالعبرة في الدين بالايمان والتقوى والعمل الصالح والاحسان فذلك هو النسك كله ، لا بالطعام والشراب وتعذيب النفوس وارهاقها . ولعل شيخنا لو فسر الآية لجزم بان هذا هو المعنى المراد ، وأن ما ورد في سبب نزولها - إذا صح - يؤخذ الجواب عنه من